ساسي سالم الحاج

26

نقد الخطاب الاستشراقي

والاستعانة بالكتب المقدسة القديمة التي تحدثت عن هذه الأصقاع ، ولم تكن هذه الرحلات والدراسات تتم لغرض علمي فحسب ولكنها كانت تبحث في حقيقة الحال عن كيفية نشوء الإسلام في هذه الأصقاع وتأثره بالبيئات والمؤثرات والعوامل الداخلية والخارجية التي استند إليها الرسول في نشر دعوته . أشار « مونتجمري وات » إلى أن الغرض الذي دعا إلى تقديم دراسة عن وصف البيئة العربية لحياة محمد هو التنبيه إلى العناصر الفاصلة لفهم رسالته ومنجزاتها « 1 » . وهذا الغرض الذي أشار إليه هذا المستشرق الذي حاول كتابة سيرة منصفة عن الرسول قد سعى إليه كل من تناول هذا الموضوع من « رحالة ومستشرقين » لأنهم لا يرون سبيلا لفهم الرسالة الإسلامية دون فهم البيئة التي نشأ فيها وترعرع . فهذا الأب « هنري لامانس » يكتب دراسة مستفيضة أطلق عليها « مهد الإسلام Le » Berceau de l'Islam « و « مكة عشية الهجرة » و « مدينة الطائف عشية الهجرة » ، و « العربية الغربية قبل الإسلام » و « معابد العربية الغربية قبل الإسلام » للبرهنة على أن الإسلام ونبيّه قد تأثّرا بهذه البيئة بما فيها من أخلاط وأوشاب وأوثان وتضارب القيم . وهكذا وصفت دراسته حتى من قبل زملائه بالتعصّب والمبالغة خاصة عندما استبعد من حسابه أخبار الفترة المكية للدعوة الإسلامية « 2 » . ويعتبر مونتجمري وات أن هناك عوامل عديدة يجب النظر إليها عند دراسة البيئة العربية قبل الإسلام أهمها العوامل الاقتصادية التي تتميز بانتشار الصحراء في تلك الأصقاع ، وذكر أنها - أي الصحراء - لم يكن لها أي تأثير فاصل في تطور التوحيد عند محمد ، ولكن هذا لا يمنع من أن يكون للصحراء دور رئيس في ظهور الإسلام ، خاصة أن مكة والمدينة عبارة عن جزيرتين في محيط من الصحارى تربطهما علاقة اقتصادية وثيقة بالبدو الذين يعتمدون على تربية المواشي وعلى قليل من الزراعة في بعض المناطق الخصبة بعد هطول الأمطار أو في بعض الواحات التي تكثر بها المياه الجوفية « 3 » .

--> ( 1 ) مونتجمري وات ، محمد في مكة ، ترجمة شعبان بركات ، منشورات المكتبة العصرية ، بيروت ، ص 15 ، بدون تاريخ . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 9 . ( 3 ) المرجع السابق ، ص 16 - 17 بتصرف كبير والأسلوب من عندنا .